التأثيرات الاقتصادية للزلازل حول العالم وتكلفتها الباهظة على الدول 2026
تتصدر الكوارث الطبيعية، وعلى رأسها الزلازل، قائمة الأحداث الأكثر تدميرًا للاقتصادات العالمية، حيث تُلحق خسائر فادحة بالبنية التحتية وتعطل سلاسل الإنتاج، وتترك ندوبًا عميقة في الناتج المحلي للدول تستمر لسنوات. فما إن تضرب الأرض بهزاتها العنيفة، حتى تبدأ سلسلة من التداعيات الاقتصادية التي تبدأ بانهيار المباني والطرق والجسور، وتصل إلى تعطيل حركة التجارة وانخفاض الإنتاج الزراعي والصناعي، لتتحول المدن المزدهرة إلى ساحات خراب تحتاج إلى ميزانيات ضخمة لإعادة إعمارها. في هذا التقرير، نستعرض الأثر الاقتصادي المدمر للزلازل عالميًا، مع تحليل لحالة مصر والإجراءات المطلوبة لمواجهة هذه المخاطر.
حجم الخسائر الاقتصادية العالمية الناجمة عن الزلازل
تشير الدراسات الدولية إلى أن الخسائر الاقتصادية المباشرة الناجمة عن الزلازل تتراوح في المتوسط بين 40 و50 مليار دولار سنويًا على مستوى العالم، مع تفاوت كبير من عام لآخر بحسب عدد الزلازل القوية ومناطق وقوعها والكثافة السكانية وقيمة الأصول المتضررة. ومع ذلك، فإن هذا الرقم لا يعكس سوى جزء بسيط من التكلفة الحقيقية، التي تتضاعف عند احتساب التأثيرات غير المباشرة مثل تعطل الأنشطة التجارية وانخفاض الإنتاج. وتكشف بيانات مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث أن الكوارث الجيوفيزيائية، وفي مقدمتها الزلازل، تسببت في خسائر اقتصادية تراكمية بلغت نحو 1.59 تريليون دولار خلال الفترة من 1970 إلى 2023، وتمثل الزلازل وحدها نحو 25.6% من إجمالي تلك الخسائر.
أكبر الزلازل تكلفة في التاريخ الحديث
تتضخم الأرقام عند النظر إلى أكبر الكوارث الزلزالية في التاريخ. يُعد زلزال وتسونامي اليابان عام 2011 واحدًا من أكثرها تكلفة، إذ بلغت خسائره نحو 491 مليار دولار وفقًا لتقديرات معدلة حسب التضخم، مما يجعله كارثة متعددة الأبعاد أثرت على قطاعات الطاقة والنقل والصناعة. وفي فبراير 2023، شهد العالم زلزالًا مدمرًا آخر ضرب تركيا وسوريا، وأسفر عن خسائر قُدرت بنحو 170 مليار دولار، ليصبح من بين أكثر الكوارث الطبيعية تكلفة في التاريخ المعاصر. وأظهرت تقديرات البنك الدولي أن الأضرار المباشرة في سوريا وحدها بلغت 3.7 مليار دولار، فيما تجاوزت احتياجات إعادة الإعمار 7.9 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات. كما يُقدّر أن الزلزال أدى إلى انكماش إضافي في الناتج المحلي الإجمالي السوري بمقدار 2.3 نقطة مئوية في عام 2023.
التأثيرات الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة
تنقسم خسائر الزلازل عادة إلى نوعين رئيسيين: الخسائر المباشرة، والتي تشمل الأضرار المادية التي تلحق بالمباني والطرق والجسور وشبكات الكهرباء والمياه والموانئ. أما الخسائر غير المباشرة، فتشمل توقف الأنشطة الاقتصادية، وتعطل سلاسل الإمداد، وانخفاض الإنتاج، وتكاليف إعادة الإعمار، وفقدان فرص العمل. ووفقًا لدراسة أعدها باحثان من “جامعة ولاية أيوا”، فإن الآثار الاقتصادية للزلازل قد تتراوح بين 100 مليون دولار و144 مليار دولار، وذلك بناءً على حجم الزلزال والافتراضات الاقتصادية.

كيف تؤثر الزلازل على القطاعات الاقتصادية الحيوية؟
لا تقتصر أضرار الزلازل على المباني السكنية، بل تمتد لتشمل القطاعات الاقتصادية الرئيسية التي تشكل عصب الحياة في أي دولة. في هذا السياق، يُعد القطاع الصناعي من أكثر القطاعات تضررًا، حيث تتوقف المصانع عن العمل بشكل كامل أو جزئي بسبب الأضرار التي تلحق بالبنية التحتية وانقطاع إمدادات الطاقة والغاز. وقد شهدت تركيا هذا السيناريو بوضوح خلال زلزال فبراير 2023، حيث توقفت مئات المصانع في ولايات مثل غازي عنتاب وأضنة، التي تشتهر بصناعات الصلب والجلود والمنسوجات، ومن المتوقع أن يستمر هذا الإغلاق حتى إعادة تقييم الأضرار وإصلاح المرافق الحيوية.أما القطاع الزراعي، فيُعتبر أيضًا من أكثر القطاعات حساسية للزلازل، خاصة في الدول التي تعتمد بشكل كبير على الإنتاج الزراعي. فقد أدى الزلزال في تركيا إلى نزوح 60% من سكان المناطق المتضررة، مما تسبب في توقف شبه كامل للإنتاج الزراعي في تلك المناطق، وهو ما أثّر على سلاسل الإمداد الغذائي وارتفاع الأسعار. ويشير تقرير البنك الدولي إلى أن القطاع الزراعي في سوريا تكبّد خسائر فادحة بلغت 1.3 مليار دولار، أي ما نسبته 83% من إجمالي الخسائر الاقتصادية، مما يعكس هشاشة هذا القطاع أمام الكوارث الطبيعية.ولا يقل قطاع النقل والمواصلات أهمية، حيث يتسبب الزلزال في تعطيل حركة الطيران والسكك الحديدية والموانئ، مما يزيد من عزلة المناطق المتضررة ويعيق وصول المساعدات. ففي تركيا، توقف العمل في ميناء إسكندرون نتيجة حريق كبير نشب بسبب الزلزال، كما تضرر مدرج مطار هاتاي بشكل كامل، مما أدى إلى صعوبة في إيصال المساعدات الإنسانية.
اقتصاد ما بعد الزلزال: بين الانكماش والتعافي
في أعقاب الزلازل المدمرة، تدخل الدول في مرحلة اقتصادية معقدة، تبدأ بصدمة انكماشية حادة نتيجة توقف الإنتاج وتراجع الاستثمارات. ومع ذلك، قد تتحول هذه المرحلة لاحقًا إلى انتعاش نسبي بفضل ضخ استثمارات ضخمة في مشاريع إعادة الإعمار. وقد لوحظ هذا النمط في الاقتصاد التركي بعد زلزال 1999، حيث توقع صندوق النقد الدولي أن استثمارات القطاعين العام والخاص في إعادة الإعمار قد تُعطي دفعة للنمو الاقتصادي بعد التأثير السلبي الأولي.وفي المغرب، أظهرت دراسة حديثة أن زلزال الحوز عام 2023، والذي بلغت قوته 7 درجات، تسبب في خسائر في الناتج المحلي الإجمالي الوطني بنسبة 0.24%، بينما بلغت نسبة الانكماش في إقليم الحوز، مركز الزلزال، نحو 10.2% من ناتجه المحلي الإجمالي. واستجابة لذلك، أطلقت الحكومة المغربية برنامجًا طموحًا لإعادة الإعمار بميزانية تصل إلى 120 مليار درهم (حوالي 11.7 مليار دولار) على مدى خمس سنوات، بهدف إعادة تأهيل البنية التحتية ودعم الأنشطة الاقتصادية في المناطق المتضررة.
مصر وزلزال 1992: دروس مستفادة ومخاطر مستقبلية
ورغم أن مصر لا تقع ضمن أكثر مناطق العالم نشاطًا زلزاليًا، فإنها تتأثر أحيانًا بهزات أرضية ناتجة عن النشاط الزلزالي في شرق البحر المتوسط والبحر الأحمر وخليج العقبة. وتظل التجربة الأبرز في الذاكرة المصرية هي زلزال 12 أكتوبر 1992، الذي بلغت قوته 5.8 درجة على مقياس ريختر، واستمر نحو 30 ثانية، وأسفر عن وفاة 561 شخصًا وإصابة أكثر من 12 ألفًا، وتشريد حوالي 50 ألف شخص -3-6. وقد أدى الزلزال إلى تدمير 350 مبنى بالكامل وإلحاق أضرار جسيمة بـ 9,000 مبنى آخر، بالإضافة إلى تضرر 216 مسجدًا و350 مدرسة.ويرى خبراء الجيولوجيا أن تكرار زلزال مماثل في الوقت الحالي قد يؤدي إلى خسائر اقتصادية واجتماعية أكبر بكثير، بسبب التوسع العمراني الهائل والكثافة السكانية العالية، فضلًا عن انتشار المباني غير المرخصة التي لا تلتزم بكود البناء الزلزالي. ويشير الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا بجامعة القاهرة، إلى أن الزلازل المتوسطة قد تكون مدمرة في مصر إذا لم تكن هناك استعدادات حقيقية، محذرًا من الانتشار الكبير لمخالفات البناء ووجود آلاف المباني الآيلة للسقوط. وتزامنًا مع هذه التحذيرات، شهدت الساحة المصرية حديثًا نقاشات حول إعادة هيكلة مؤسسات الدولة لمواجهة التحديات، حيث صدر قانون مستقبل مصر لإعادة تنظيم هيئة المجتمعات العمرانية، مما يعكس توجهًا نحو تعزيز الكفاءة المؤسسية في ملفات التنمية العمرانية التي تتقاطع مباشرة مع اشتراطات البناء الآمن ومقاومة الكوارث.
التحديات الهندسية والبناء العشوائي في مصر
يتفق المتخصصون في مجال البناء والتشييد على أن قطاع المقاولات في مصر يواجه تحديات كبيرة نتيجة غياب الرقابة الفعلية وانتشار المباني المخالفة للكود المصري في الإنشاءات. ويصف المهندس محمد لقمة هذه المباني بأنها “كارثية”، مشيرًا إلى أن وقائع انهيار المباني حتى من دون زلازل أصبحت متكررة بسبب عدم الالتزام بمعايير البناء. ويدعو الخبراء إلى تعزيز ثقافة الزلازل بين المواطنين، وتوعيتهم بالإجراءات السليمة عند وقوع الزلازل، مع ضرورة الاهتمام بالتفتيش الدوري وإصدار شهادات صلاحية للمباني، خاصة في المناطق العشوائية التي تضم أبراجًا سكنية مكتظة.
الدروس المستفادة والتوصيات المستقبلية
تؤكد التجارب العالمية أن الاستعداد الجيد للزلازل يمكن أن يقلل بشكل كبير من الخسائر البشرية والمادية. وتشمل عناصر الاستعداد الفعال: تطوير أنظمة الإنذار المبكر، وفرض تطبيق صارم لكود البناء الزلزالي، وتدريب فرق الإنقاذ والإغاثة، ووضع خطط طوارئ محكمة لإدارة الأزمات. كما يشير تقرير أممي إلى أن زيادة الاستثمار في الحد من مخاطر الكوارث يمكن أن تحقق فوائد اقتصادية كبيرة، وتنقذ الأرواح وسبل العيش، مع دفع النمو والازدهار.وفي هذا السياق، يجب على الدولة المصرية تعزيز جهودها في تطوير البنية التحتية ومراقبة جودة المباني، خاصة في المدن الساحلية القريبة من مناطق النشاط الزلزالي، مثل خليج السويس وخليج العقبة. كما ينبغي العمل على نشر الوعي المجتمعي حول كيفية التصرف أثناء الزلازل، وتجنب استخدام المصاعد والاحتماء في الأماكن الآمنة، لضمان تقليل الخسائر إلى أدنى حد ممكن في حال وقوع أي هزة أرضية مستقبلية.



