أزمة الغاز في أوروبا 2026:: تراجع المخزونات وارتفاع الأسعار يهدد الشتاء القادم

أزمة الغاز في أوروبا 2026 تتصدر المشهد الاقتصادي والطاقوي مع اقتراب موسم الشتاء؛ حيث تواجه القارة العجوز ضغوطاً وجودية لإعادة ملء مخزوناتها الاستراتيجية من الغاز الطبيعي وسط احتدام المنافسة العالمية على الشحنات واستمرار المخاطر الجيوسياسية في مضيق هرمز

الحكومات الأوروبية وشركات الطاقة الكبرى راهنت منذ انتهاء الشتاء الماضي على تأجيل عمليات الشراء رغم الانخفاض الحاد في المخزونات إلى أدنى مستوياتها المسجلة منذ عام 2022؛ وكان التخطيط قائماً على انتظار انفراج دبلوماسي يسمح باستئناف تدفق الإمدادات القطرية عبر مضيق هرمز الذي يمر من خلاله نحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية؛ إلا أن استمرار التوترات السياسية وتعطل حركة الملاحة البحرية بددا تلك التوقعات بشكل كامل وألقيا بظلال قاتمة على استعدادات القارة للشتاء القادم

آسيا تستحوذ على شحنات الغاز المسال وتقلص حصة أوروبا

في مشهد يعكس تحول موازين القوى في سوق الطاقة العالمي؛ سارعت كبرى الدول الآسيوية وعلى رأسها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان إضافة إلى باكستان وبنجلاديش إلى اقتناص الشحنات الفورية من الغاز الطبيعي المسال لتعويض النقص الناجم عن تراجع الإمدادات القطرية؛ وقد أدى هذا التحرك الآسيوي السريع إلى تحويل جزء كبير من الشحنات المتاحة في الأسواق العالمية بعيداً عن السوق الأوروبية التي وجدت نفسها في مواجهة شرسة مع مشترين أكثر استعداداً لدفع أسعار أعلى

الأرقام الصادرة عن بيانات تتبع السفن التي جمعتها وكالة بلومبرج العالمية ترسم صورة دقيقة للأزمة؛ حيث تراجعت واردات أوروبا من الغاز الطبيعي المسال بنسبة 27% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي وفق متوسط متحرك لثلاثين يوماً؛ في المقابل سجلت الواردات الآسيوية ارتفاعاً ملحوظاً عكس تماماً الاتجاه الأوروبي وأكد أن المعركة على شحنات الغاز المسال أصبحت أكثر شراسة من أي وقت مضى

الخبير البارز أليكس سيو كبير محللي الغاز في شركة إندبندنت كوموديتي إنتليجنس سيرفيسز أطلق تحذيراً صريحاً للقادة الأوروبيين؛ حيث أكد أن الوقت يضيق بشكل كبير أمام الاتحاد الأوروبي لتحقيق أهدافه الطموحة المتعلقة بتخزين الغاز؛ مشيراً إلى أن القارة ستكون مضطرة إلى تسريع وتيرة مشترياتها بشكل كبير خلال الفترة المقبلة وإلا ستواجه سيناريوهات صعبة جداً مع حلول برد الشتاء

تنبيه عاجل:: تراجع واردات أوروبا من الغاز المسال بنسبة 27% مع تصاعد المنافسة الآسيوية يهدد خطط تخزين الوقود للشتاء القادم
المنافسة الآسيوية على شحنات الغاز المسال وتأثيرها على أوروبا

دول آسيا الكبرى تسارع لاستحواذ على شحنات الغاز الفورية مما يقلص حصة أوروبا

المخزونات الأوروبية تحت المستهدف بأكثر من 25%

التوقعات الأكثر تشاؤماً جاءت من الرئيس التنفيذي لشركة إكوينور النرويجية أندرس أوبيدال الذي توقع ألا تتمكن أوروبا من رفع مخزوناتها إلى ما يتجاوز 80% من السعة الاستيعابية قبل حلول فصل الشتاء؛ وذلك بسبب ضيق السوق العالمية واشتداد حدة المنافسة مع المشترين الآسيويين الذين يبدون استعداداً لدفع علاوات سعرية مرتفعة لضمان تدفقات الغاز لمنشآتهم

الأرقام الصادرة عن منصة غاز إنفراستركتشر يوروب تكشف حجم التحدي الذي يواجه صناع القرار في بروكسل؛ حيث تبلغ مخزونات الغاز في الاتحاد الأوروبي حالياً نحو 54% فقط من الطاقة الاستيعابية الإجمالية؛ في حين يبلغ متوسط خمس سنوات لنفس الفترة نحو 70%؛ وهذا الفارق الكبير يعكس مدى خطورة الموقف خاصة أن الهدف الرسمي للاتحاد الأوروبي كان يحدد ضرورة الوصول إلى 80% بحلول الأول من نوفمبر المقبل أي أن الفجوة الحالية تتجاوز 25% من المستهدف

المؤشر القيمة الحالية المستهدف الفجوة
مخزونات الغاز في أوروبا 54% 80% -26%
متوسط الخمس سنوات 70% 80% -10%
الواردات الأوروبية من الغاز المسال تراجع 27% استقرار نقص حاد
سعر الغاز في شمال شرق آسيا 22 دولاراً 14.6 دولاراً +51%

محللون بارزون في أسواق الطاقة يؤكدون أن أوروبا كانت بحاجة ماسة إلى استقبال شحنات الغاز الطبيعي المسال بالمعدل نفسه المسجل في العام الماضي لتحقيق هذا الهدف الاستراتيجي؛ لكن تزايد الطلب الآسيوي غير المسبوق قلص بشكل كبير التدفقات المتجهة إلى القارة العجوز ووضع خطط التخزين في مهب الريح؛ هذا المشهد يذكر بأزمة 2022 لكن مع اختلافات جوهرية تجعل الموقف الحالي أكثر تعقيداً وخطورة

ارتفاع جنوني في أسعار الغاز مع استمرار المخاطر الجيوسياسية

شح الإمدادات العالمية انعكس مباشرة على الأسعار في جميع الأسواق الرئيسية؛ حيث سجلت الأسعار الفورية للغاز الطبيعي المسال في شمال شرق آسيا ارتفاعاً للأسبوع الخامس على التوالي لتصل إلى نحو 22 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية لتسليم سبتمبر وهو أعلى مستوى تسجله الأسعار منذ أربعة أشهر كاملة؛ هذا الارتفاع المتسارع يعكس حالة الذعر التي تسود الأسواق والتنافس المحموم على كل شحنة متاحة

أسعار الغاز الطبيعي المسال في شمال غرب أوروبا لم تكن بمنأى عن هذه الموجة الصاعدة؛ حيث ارتفعت إلى نحو 20.36 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية؛ وهو مستوى مرتفع يعكس المخاطر الجيوسياسية وعوامل الطلب المتنامية

الأمر الأكثر إثارة للقلق هو تعديل توقعات شركة كبلر العالمية لمؤشر جيه كيه إم الآسيوي خلال النصف الثاني من عام 2026؛ حيث رفعت الشركة توقعاتها من 14.6 دولاراً إلى 19.5 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية أي بزيادة تجاوزت 33% في توقعاتها خلال فترة وجيزة؛ وهذا التعديل الصعودي الكبير يعكس تغيراً جذرياً في نظرة الأسواق للمستقبل القريب ويؤكد أن عصر الغاز الرخيص قد انتهى بالنسبة لأوروبا

“الوقت يضيق أمام الاتحاد الأوروبي لتحقيق أهدافه المتعلقة بتخزين الغاز؛ والقارة ستكون مضطرة إلى تسريع وتيرة مشترياتها خلال الفترة المقبلة قبل فوات الأوان”

– أليكس سيو؛ كبير محللي الغاز في إندبندنت كوموديتي إنتليجنس سيرفيسز

تداعيات اقتصادية خطيرة تلوح في الأفق الأوروبي

شركة بارينغا بارتنرز للاستشارات الاقتصادية أصدرت تقريراً صارماً حذرت فيه من أن استمرار إغلاق مضيق هرمز حتى نهاية سبتمبر المقبل قد يؤدي إلى ارتفاع حاد وغير مسبوق في أسعار الغاز والكهرباء في جميع أنحاء أوروبا؛ وهذا الارتفاع في تكاليف الطاقة قد يدفع اقتصادَي المملكة المتحدة وأوروبا ككل إلى الانكماش بنهاية العام الحالي؛ مما يضاعف المعاناة الاقتصادية في ظل تباطؤ نمو عالمي ومخاطر تضخمية مستمرة

السيناريو المتفائل

  • ارتفاع المخزونات تدريجياً مع تسارع المشتريات
  • اعتدال درجات الحرارة خلال الشتاء
  • انفراج دبلوماسي في مضيق هرمز
  • استقرار الأسعار دون مستويات الذروة

السيناريو المتشائم

  • استمرار تراجع المخزونات دون 80%
  • شتاء قارس يضاعف استهلاك الغاز
  • ارتفاع الأسعار إلى مستويات قياسية
  • انكماش اقتصادي وتضخم جامح

في الوقت نفسه تتواصل خطة الاتحاد الأوروبي الطموحة لإنهاء واردات الغاز الطبيعي المسال الروسي بشكل كامل بحلول يناير 2027؛ ورغم أن الغاز الروسي شكّل نحو 17% من إجمالي واردات أوروبا خلال النصف الأول من العام الجاري؛ إلا أن التوجه السياسي نحو التخلص التدريجي من الاعتماد على موسكو يضيف طبقة إضافية من التعقيد لأزمة الطاقة الراهنة ويجعل البدائل أكثر تكلفة وأقل توافراً

محللون وخبراء في مجال الطاقة يؤكدون أن أوروبا تمكنت من تجاوز أزمة مشابهة خلال شتاء 2022 بفضل اعتدال درجات الحرارة غير المتوقع وتراجع الطلب الصناعي؛ لكن الاعتماد مرة أخرى على شتاء دافئ لإنقاذ الموقف لا يُعد خياراً استراتيجياً آمناً إطلاقاً؛ خاصة في ظل الانخفاض الكبير في مستويات المخزونات الحالية واشتداد المنافسة العالمية بشكل غير مسبوق على الغاز الطبيعي المسال

تحليل استراتيجي:: أوروبا تواجه معضلة حقيقية بين الحاجة الفورية لتأمين الغاز للشتاء القادم وبين الالتزامات السياسية للتخلص من الغاز الروسي؛ وهذه المعادلة الصعبة قد تدفع القادة الأوروبيين إلى خيارات مؤلمة في الأشهر المقبلة سواء على صعيد الأسعار أو السياسات الخارجية

خلاصة المشهد الطاقوي في أوروبا تؤكد أن القارة العجوز أمام اختبار حقيقي لإرادتها ومرونة اقتصادها؛ فالاعتماد على الغاز الطبيعي المسال كبديل رئيسي للغاز الروسي أثبت أنه يحمل مخاطر جيوسياسية ولوجستية كبيرة؛ خاصة في ظل تركيز الإمدادات في مناطق مضطربة مثل مضيق هرمز؛ وتبقى الأسابيع القادمة حاسمة في تحديد ما إذا كانت أوروبا ستنجح في تجاوز أزمة الشتاء المقبل أم أنها ستواجه سيناريوهات أكثر صعوبة مع حلول برد العام الجديد

احمد محمود

أحمد محمود صحفي ومحرر أخبار في جريدة العدسة، متخصص في تغطية الشؤون المحلية والاقتصادية. يمتلك خبرة في متابعة البيانات الرسمية والأحداث الجارية، ويعمل وفق معايير مهنية تلتزم بالدقة والمصداقية. 📌 يعمل ضمن فريق التحرير في العدسة الإخبارية، ويلتزم بالسياسة التحريرية المعتمدة.
زر الذهاب إلى الأعلى