مصطفى بكري يحذر: التطورات في اليمن تهدد أمن باب المندب والتجارة العالمية
حذّر الإعلامي والنائب البرلماني مصطفى بكري من خطورة التطورات المتسارعة في اليمن، مشدداً على أن التعامل مع المشهد باعتباره أزمة يمنية داخلية فقط يغفل أبعاداً جيوسياسية وأمنية أوسع تمتد إلى ما وراء الحدود. وأكد بكري -في تصريحات تلفزيونية رصدتها “العدسة الإخباري”- أن الموقع الاستراتيجي لليمن وإشرافه على مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات المائية في العالم، يجعل أي اضطراب فيه ينعكس مباشرة على حركة الملاحة الدولية والأمن القومي المصري والخليجي، محذراً من تجاهل التداعيات الكارثية المحتملة على الاقتصاد العالمي.
- ⚠️ التهديد الاستراتيجي: تصاعد استخدام الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية من قبل الحوثيين يهدد أمن باب المندب والبحر الأحمر.
- 🌍 التأثير العالمي: أي اضطراب في باب المندب يهدد حركة التجارة بين آسيا وأوروبا ويرفع تكاليف الشحن وأسعار السلع.
- 🇪🇬 التداعيات على مصر: تهديد الملاحة في البحر الأحمر يؤثر مباشرة على قناة السويس والاقتصاد المصري.
- 🔗 الأبعاد الجيوسياسية: المشهد اليمني مرتبط بالصراع الإقليمي ولا يمكن النظر إليه بمعزل عن الدعم الإيراني للحوثيين.
وقال بكري، خلال تقديمه برنامج «حقائق وأسرار» المذاع على قناة «صدى البلد»، إن تصاعد استخدام الطائرات المسيَّرة والصواريخ الباليستية من جانب جماعة الحوثي، إلى جانب الدعم الإيراني، يفرض قراءة المشهد في إطار أوسع يتعلق بأمن البحر الأحمر وحركة التجارة العالمية. وأشار إلى أن ما يحدث في اليمن لم يعد مجرد صراع داخلي، بل تحول إلى ملف إقليمي معقد يرتبط بمصالح دول كبرى ويمس أمن الطاقة والتجارة الدولية.
وأوضح بكري أن أهمية اليمن لا تنبع فقط من موقعه الجغرافي المطل على البحر العربي والمحيط الهندي، وإنما من إشرافه المباشر على مضيق باب المندب، الذي يمثل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، ومن ثم يرتبط بصورة مباشرة بقناة السويس وحركة التجارة الحيوية بين آسيا وأوروبا. وشدد على أن أي تهديد لأمن هذا المضيق يعتبر تهديداً مباشراً للأمن القومي المصري، خاصة مع اعتماد الاقتصاد المصري بشكل كبير على عائدات قناة السويس.

يمثل مضيق باب المندب واحداً من أهم الممرات المائية في العالم، حيث يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي عبر خليج عدن. ويبلغ عرض المضيق حوالي 30 كيلومتراً فقط، مما يجعله نقطة عبور استراتيجية تمر عبرها يومياً مئات السفن التجارية وناقلات النفط القادمة من آسيا وأفريقيا وأستراليا في طريقها إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية.
وتشير التقديرات الصادرة عن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) إلى أن نحو 10% من التجارة العالمية تمر عبر باب المندب، بما في ذلك حوالي 4.8 مليون برميل من النفط الخام يومياً، إلى جانب كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال والسلع الاستهلاكية والمواد الخام. كما يؤكد تقرير صادر عن المنظمة البحرية الدولية (IMO) أن المضيق يعد ممراً حاسماً لصناعة النقل البحري العالمية، حيث يوفر أقصر طريق بحري بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس، مما يجعله بديلاً استراتيجياً عن طريق رأس الرجاء الصالح الذي يضيف نحو 6000 كيلومتر ويضاعف تكاليف الشحن بنسبة تتراوح بين 30% إلى 50% وفق تقديرات شركات الشحن العالمية.
ويمكن للراغبين في الاطلاع على أحدث التطورات المتعلقة بملاحة البحر الأحمر متابعة التقارير الصادرة عن صندوق النقد الدولي التي ترصد تأثير الأزمات الإقليمية على حركة التجارة العالمية، بالإضافة إلى البيانات المنشورة عبر الموقع الرسمي لهيئة قناة السويس التي توثق حركة الملاحة وإيرادات القناة بشكل دوري، والتي أظهرت تراجعاً ملحوظاً في عدد السفن العابرة خلال الأشهر الأخيرة نتيجة التوترات في البحر الأحمر.
أشار مصطفى بكري إلى أن تصاعد الهجمات الحوثية باستخدام الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية ضد السفن التجارية في البحر الأحمر يخلق حالة من عدم الاستقرار الأمني، مما يدفع شركات الشحن العالمية إلى إعادة تقييم المخاطر. وقد أكدت تقارير لويدز للتأمين البحري أن أقساط التأمين على السفن المارة في المنطقة شهدت ارتفاعاً بنسبة تتراوح بين 150% إلى 200% خلال الفترة الأخيرة، مما يزيد من تكاليف التشغيل وينعكس سلباً على أسعار السلع.
وأوضح بكري أن أي اضطراب أمني في باب المندب يمكن أن يمتد تأثيره إلى البحر الأحمر ثم قناة السويس، بما ينعكس سلباً على حركة الملاحة الدولية والاقتصاد المصري بشكل خاص. فقناة السويس تعتبر شرياناً اقتصادياً حيوياً لمصر، حيث سجلت إيراداتها نحو 8.6 مليار دولار في العام المالي 2023، وفق بيانات التقرير السنوي لهيئة قناة السويس، وأي تراجع في حركة الملاحة بسبب التوترات في البحر الأحمر يعني خسائر فادحة للموازنة العامة للدولة، حيث تشير التقديرات الأولية إلى تراجع العائدات بنحو 40% خلال الربع الأول من العام الحالي مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
حذر بكري من أن استمرار التهديدات في باب المندب سيكون له تأثيرات اقتصادية مدمرة على مصر والعالم أجمع. فالسفن المتجهة من الصين وآسيا إلى أوروبا تعتمد بشكل أساسي على هذا المسار البحري، وفي حال ارتفاع المخاطر في باب المندب، قد تضطر إلى تغيير مسارها والدوران حول رأس الرجاء الصالح، وهو ما يعني زيادة زمن الرحلات بمعدل 10 يوماً واستهلاك وقود إضافي يتراوح بين 800 إلى 1000 طن لكل سفينة، وفق تقديرات تقرير النقل البحري الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD)، مما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل، وبالتالي ارتفاع أسعار السلع عالمياً بنسبة تتراوح بين 15%، وتزايد الضغوط على أسعار النفط والطاقة.
وتأتي تداعيات ذلك على الاقتصاد المصري من عدة جوانب، أبرزها تراجع إيرادات قناة السويس -التي تمثل نحو 8% من الناتج المحلي الإجمالي- نتيجة انخفاض عدد السفن العابرة، وارتفاع أسعار السلع المستوردة التي تعتمد مصر عليها مثل القمح والزيوت والمواد الخام، مما يضغط على الميزان التجاري ويزيد من معدلات التضخم. وقد حذر البنك المركزي المصري في تقاريره الدورية من تداعيات أزمة البحر الأحمر على استقرار الأسعار واحتياطيات النقد الأجنبي.
وعلى المستوى العالمي، يؤكد صندوق النقد الدولي في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي أن أي اضطراب في حركة الملاحة عبر باب المندب يعني ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي، وهو ما يهدد التعافي الاقتصادي العالمي خاصة في ظل التحديات التي يشهدها الاقتصاد العالمي حالياً. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن استمرار التوتر في البحر الأحمر قد يكلف الاقتصاد العالمي خسائر تتراوح بين 0.5% إلى 1% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي سنوياً.
أكد مصطفى بكري أن التعامل مع الأزمة اليمنية كصراع داخلي فقط يتجاهل الأبعاد الإقليمية والدولية المعقدة التي تحيط بها. وأشار إلى أن الدعم الإيراني للحوثيين بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والتدريب العسكري -الذي وثقته تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة المعني باليمن– يغير من طبيعة الصراع ويجعله جزءاً من الصراع الإقليمي الأوسع بين إيران ودول التحالف العربي الذي تقوده السعودية.
وتكشف التقارير الاستخباراتية الصادرة عن مراكز أبحاث دولية مثل المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) أن إيران تستخدم الحوثيين كورقة ضغط في البحر الأحمر لتهديد المصالح الغربية والخليجية، خاصة مع سعي طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي في منطقة حساسة تشرف على أحد أهم ممرات الطاقة في العالم. وقد أكدت وزارة الخارجية الأمريكية في تقاريرها السنوية عن الإرهاب استمرار إيران في تزويد الحوثيين بالأسلحة المتطورة رغم القرارات الأممية التي تحظر ذلك.
وأضاف بكري أن استمرار الدعم الإيراني للحوثيين في اليمن يهدد استقرار المنطقة بأكملها، ويخلق بيئة خصبة لتنامي الجماعات المتطرفة، فضلاً عن تقويض جهود السلام التي ترعاها الأمم المتحدة، حيث تشير تقارير المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن إلى تعقيدات إضافية في المفاوضات نتيجة التدخلات الخارجية. وشدد على ضرورة تبني مقاربة شاملة تعالج الأبعاد السياسية والعسكرية والاقتصادية والإنسانية للأزمة، بما يضمن أمن الملاحة في البحر الأحمر واستقرار المنطقة.
في سياق متصل، أكد الدكتور عمرو الدرديري، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، في تصريحات خاصة لـ”العدسة الإخباري”، أن التطورات في اليمن تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي المصري، مشيراً إلى أن مصر تتابع بدقة تحركات الحوثيين المدعومين من إيران، وأن أي تهديد لأمن باب المندب يعتبر خطاً أحمر. وأضاف أن العلاقة بين أمن البحر الأحمر وقناة السويس هي علاقة عضوية، حيث أن استقرار الملاحة في المضيق هو شرط أساسي لاستمرار تدفق العائدات المصرية.
من جانبه، أوضح الخبير الاقتصادي الدكتور محمد فريد، أستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس، أن الأرقام الرسمية تشير إلى أن إيرادات قناة السويس تراجعت بنسبة تجاوزت 40% خلال الربع الأول من العام الجاري مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهو ما يمثل ضغطاً كبيراً على الموازنة العامة للدولة واحتياطيات النقد الأجنبي. ودعا إلى تنويع مصادر الدخل القومي وتقليل الاعتماد المفرط على إيرادات القناة في ظل التقلبات الجيوسياسية في المنطقة.
أما اللواء المتقاعد محمد صبري، خبير الشؤون العسكرية، فأكد في تصريح لـ”العدسة الإخباري” أن القوات البحرية المصرية تمتلك قدرات عسكرية متطورة تمكنها من حماية الأمن البحري المصري في البحر الأحمر، مشيراً إلى أن مصر أجرت مناورات بحرية مشتركة مع دول المنطقة لتعزيز جاهزيتها لمواجهة أي تهديدات محتملة. وأضاف أن التنسيق الأمني بين مصر ودول الخليج في البحر الأحمر وصل إلى مستويات متقدمة جداً.

في دراسة تحليلية صادرة عن المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، تم تقسيم السيناريوهات المحتملة لتطور الأوضاع في باب المندب إلى ثلاثة سيناريوهات رئيسية تبعاً لمسار الأحداث في اليمن والمنطقة:
السيناريو الأول – استمرار التصعيد: في حال استمرت الهجمات الحوثية على السفن التجارية وتوسع دائرة الصراع، قد نشهد تصاعداً في التوتر العسكري في البحر الأحمر، مع احتمال تدخل عسكري مباشر من القوى الدولية لحماية الملاحة، مما يرفع منسوب المخاطر الأمنية في المنطقة ويهدد استقرار أسواق النفط والسلع الأساسية. ويقدر خبراء المركز أن هذا السيناريو قد يكلف الاقتصاد العالمي خسائر تتراوح بين 200 إلى 300 مليار دولار سنوياً.
السيناريو الثاني – التهدئة المؤقتة: قد تشهد المنطقة فترات من الهدوء النسبي نتيجة جهود الوساطة الدولية والإقليمية، مع استمرار التوتر الخفي وعدم الاستقرار، مما يبقي حالة عدم اليقين قائمة ويحافظ على ارتفاع تكاليف التأمين البحري وتكاليف الشحن العالمية، مع بقاء إيرادات قناة السويس أقل من المعدلات التاريخية بنسبة 20%.
السيناريو الثالث – التسوية السياسية: في حال نجحت الجهود الدولية والإقليمية -خاصة تلك التي تقودها الأمم المتحدة بالتعاون مع دول مجلس التعاون الخليجي- في الوصول إلى تسوية سياسية شاملة للأزمة اليمنية، قد يعود الاستقرار إلى البحر الأحمر تدريجياً، مما يعيد الأمور إلى طبيعتها ويعزز ثقة شركات الشحن والتأمين في الممرات المائية الإقليمية، ويعود بالنفع على الاقتصاد المصري والعالمي. ويشير المركز إلى أن هذا السيناريو يعتبر الأكثر تكلفة سياسياً ولكن الأقل تكلفة اقتصادياً على المدى البعيد.
تعتمد مصر بشكل كبير على أمن البحر الأحمر واستقرار الملاحة في باب المندب، حيث ترتبط قناة السويس عضوياً بهذا الممر المائي الحيوي. وقد شدد الرئيس عبد الفتاح السيسي -في أكثر من مناسبة- على ضرورة الحفاظ على أمن الملاحة في البحر الأحمر ورفض أي محاولة لتهديد حركة التجارة العالمية عبر هذه المنطقة الاستراتيجية، مؤكداً على الحق المشروع لمصر في الدفاع عن مصالحها وأمنها القومي. وجاءت تصريحات وزير الخارجية المصري أمام مجلس الأمن الدولي لتؤكد على الموقف المصري الثابت من ضرورة الحفاظ على أمن الممرات المائية الدولية.
وتعمل مصر من خلال تحالفاتها الإقليمية والدولية على تعزيز الأمن البحري في البحر الأحمر، بالتعاون مع دول الخليج العربي ودول حوض البحر الأحمر والقوى الدولية الفاعلة، عبر آليات عسكرية وأمنية متعددة تشمل التنسيق الاستخباراتي والتدريبات المشتركة ودعم جهود الاستقرار في اليمن. وقد أثمرت هذه الجهود عن إنشاء مجلس التعاون لدول البحر الأحمر وخليج عدن الذي يهدف إلى تعزيز التنسيق بين الدول المطلة على البحر الأحمر في المجالات الأمنية والاقتصادية والبيئية.
ويؤكد خبراء الأمن القومي -في دراسات أكاديمية صادرة عن كلية الدفاع الوطني المصرية– أن أي تهديد لأمن باب المندب يُعد تهديداً مباشراً للأمن القومي المصري، لما له من تأثير مباشر على أمن قناة السويس، التي تعتبر شرياناً اقتصادياً وسياسياً استراتيجياً لمصر. ولذلك تتابع مصر باهتمام شديد تطورات الأوضاع في اليمن وتعمل مع كافة الأطراف لضمان استقرار المنطقة وحرية الملاحة في مياهها الإقليمية والدولية.
خلص مصطفى بكري في تحليله إلى مجموعة من النقاط المحورية التي يجب الانتباه لها، وهي أن التطورات في اليمن لا تقتصر على حدودها الجغرافية، بل تمتد تداعياتها إلى أمن البحر الأحمر والتجارة العالمية والاقتصاد المصري. وشدد بكري على ضرورة القراءة المتكاملة للأزمة التي تجمع بين الأبعاد السياسية والعسكرية والاقتصادية والإنسانية، مع ضرورة التحرك الإقليمي والدولي لضمان أمن الملاحة في باب المندب، مستشهداً بتقارير دولية تؤكد خطورة استمرار الوضع الراهن.
كما أكد بكري على أهمية تعزيز التعاون العربي المشترك لمواجهة التحديات الأمنية في المنطقة، ودعم الجهود الدولية للوصول إلى حل سياسي شامل للأزمة اليمنية يضمن استقرار اليمن وأمن المنطقة، في ضوء ما ورد في قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة. ودعا إلى ضرورة تكاتف الجهود لمواجهة التدخلات الإقليمية التي تزعزع أمن واستقرار المنطقة، والحفاظ على حرية الملاحة في البحر الأحمر كحق للجميع، مع التأكيد على أن أمن مصر القومي خط أحمر لا يمكن المساس به.
ويبقى السؤال الأهم: كيف يمكن للمجتمع الدولي والدول الإقليمية العمل معاً لحماية هذا الممر المائي الحيوي وضمان استمرار تدفق التجارة العالمية عبر باب المندب؟ هذا ما ستحدده التطورات القادمة في المشهد اليمني والإقليمي المترابط، وما ستسفر عنه الجهود الدبلوماسية الجارية على مختلف المستويات.



