تراجع أسعار النفط وسط توقعات ضعف الطلب ومفاجأة المخزونات الأمريكية

شهدت أسعار النفط تراجعًا ملحوظًا خلال تعاملات اليوم الخميس 13 أغسطس 2026، بعد سلسلة مكاسب استمرت خمس إلى ست جلسات متتالية في الأسبوع الماضي. وجاء هذا الانخفاض مدفوعًا بتحول اهتمام المستثمرين من العوامل الجيوسياسية إلى معطيات أساسية أكثر إلحاحًا، أبرزها الزيادة القياسية في المخزونات الأمريكية والتوقعات المتشائمة للطلب العالمي من قبل أوبك ووكالة الطاقة الدولية. غير أن استمرار الجمود في محادثات مضيق هرمز حد من وتيرة التراجع، مبقياً الأسعار ضمن نطاق دعم جيوسياسي.

سجلت العقود الآجلة لخام برنت القياسي، تسليم أكتوبر 2026، انخفاضًا بقيمة 42 سنتًا (0.47%) ليستقر عند 88.56 دولار للبرميل، منهية بذلك سلسلة مكاسب استمرت ست جلسات. وكان خام برنت قد أغلق الأسبوع الماضي فوق مستوى 89 دولارًا مدعوماً بمخاوف الإمدادات، لكنه فقد الزخم مع ظهور بيانات المخزونات.على الجانب الآخر، تراجعت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي، تسليم سبتمبر 2026، بمقدار 55 سنتًا (0.66%) ليصل إلى 82.72 دولار للبرميل. هذا التراجع أنهى سلسلة مكاسب استمرت خمس جلسات، حيث كانت الأسعار قد حققت أعلى مستوياتها في أسبوعين خلال الجلسة السابقة.يُلاحظ أن فارق السعر بين الخامين القياسيين (برنت مقابل غرب تكساس) اتسع قليلاً ليصل إلى 5.84 دولار، مقارنة بمتوسط 5.50 دولار في الأسبوع الماضي، مما يعكس استمرار القلق بشأن الإمدادات العالمية أكثر من المخاوف المحلية في السوق الأمريكية.استمرار تأثير المضيق على تحركات برنت.
شكلت توقعات الطلب للنفط في العام الجاري محوراً رئيسياً للضغط على الأسعار، مع تنامي المخاوف من تباطؤ الاستهلاك العالمي في ظل ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو الاقتصادي.أوبك: خفضت المنظمة توقعاتها لنمو الطلب العالمي لعام 2026 للمرة الثالثة على التوالي، لتصل إلى 580 ألف برميل يومياً. وأرجعت المنظمة هذا التخفيض إلى تأثير ارتفاع الأسعار على استهلاك الوقود في الأسواق الناشئة، بالإضافة إلى تراجع النشاط الصناعي في الصين وأوروبا. وجاء في تقرير المنظمة الشهري الصادر هذا الأسبوع أن الطلب الإجمالي في النصف الثاني من العام قد يشهد مزيداً من التباطؤ إذا استمرت الضغوط التضخمية.وكالة الطاقة الدولية: كانت الوكالة أكثر تشاؤماً بشكل ملحوظ، حيث توقعت انكماشاً في الاستهلاك العالمي بنحو 1.6 مليون برميل يومياً خلال 2026. وعزت الوكالة هذا التراجع إلى عاملين مترابطين: أولاً، تأثير الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران على النشاط الاقتصادي في المنطقة، مما يثبط الطلب على الوقود. ثانياً، نجاعة السياسات النقدية المتشددة في كبح النمو الاقتصادي في الدول المستهلكة الرئيسية. هذا التباين بين المؤسستين يعكس حالة عدم اليقين الكبيرة التي تسود تقديرات السوق حالياً.اطلع على التوقعات المستقبلية للأسعار وسط هذه المتغيرات.ومن الجدير بالذكر أن تقديرات وكالة الطاقة تتوافق مع بيانات المعهد النفطي البريطاني الأخيرة التي أشارت إلى تراجع استهلاك الوقود في الولايات المتحدة وأوروبا خلال يوليو الماضي بنسبة 2.3% مقارنة بالعام السابق، مما يضفي مصداقية على السيناريو الأكثر تشاؤماً.
أظهرت البيانات الصادرة عن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) يوم الأربعاء ارتفاعاً مفاجئاً وكبيراً في مخزونات النفط الخام التجارية للأسبوع المنتهي في 7 أغسطس، حيث زادت بمقدار هائل بلغ 17.4 مليون برميل. هذا الرقم فاق بكثير توقعات المحللين التي كانت تشير إلى انخفاض بنحو 1.4 مليون برميل (وفقاً لاستطلاع رويترز)، كما أنه يمثل أكبر زيادة أسبوعية منذ يناير 2023.دفع هذا الارتفاع إجمالي المخزونات إلى 424.4 مليون برميل، وهو أعلى مستوى منذ 5 يونيو، أي في غضون نحو عشرة أسابيع فقط، مما يشير إلى تراكم سريع في المعروض.تحليل الأسباب: تعكس هذه الزيادة الضخمة ثلاثة عوامل رئيسية:تراجع الصادرات الأمريكية: انخفضت الصادرات من الخام بمقدار 680 ألف برميل يومياً خلال الأسبوع المذكور، مما أدى إلى توجيه كميات أكبر نحو التخزين المحلي.ارتفاع الواردات: زادت واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 1.08 مليون برميل يومياً، مدفوعة بوصول شحنات من كندا والبرازيل.تباطؤ الطلب المحلي: أشارت بيانات EIA إلى تراجع تشغيل المصافي بنسبة 1.2% على أساس أسبوعي، مما يعني أن المصافي استوعبت كميات أقل من الخام الخام، وفضلت الاعتماد على المخزونات الحالية من المنتجات المكررة.التبعات على السوق: شكلت هذه البيانات مفاجأة سلبية للمستثمرين، خاصة أنها جاءت في وقت تزايدت فيه المخاوف من فائض المعروض في الربع الأخير من العام. وقد دفع ذلك بعض صناديق التحوط إلى تقليل مراكزها الطويلة في العقود الآجلة، مما زاد من وتيرة التراجع خلال الجلسة.تفاصيل أكثر عن تأثير المخزونات على السوق.

المؤشر القيمة (مليون برميل) التغير الأسبوعي المفاجأة مقابل التوقعات
مخزونات النفط الخام التجاري 424.4 ▲ +17.4 توقعات: ▼4 (فارق +18.8)
مخزونات البنزين 208.7 ▼0 متوافق مع التوقعات
مخزونات المقطرات (ديزل/وقود تدفئة) 107.1 ▼01 أقل من المتوقع
مخزونات خام كوشينغ (مركز التسليم) 38.2 ▲ +4.2 أعلى من المتوقع
خريطة توضح مضيق هرمز ومسارات ناقلات النفط في الخليج العربي
مضيق هرمز يواصل دعم الأسعار مع استمرار الجمود في المحادثات

على الرغم من الضغوط الأساسية التي تمارسها معطيات الطلب والمخزونات، يواصل الوضع في مضيق هرمز توفير أرضية دعم قوية لأسعار النفط، مما حد من نطاق التراجع خلال جلسة اليوم.تطورات المحادثات: أكد مصدر إيراني رفيع المستوى، يوم الأربعاء، عدم إحراز أي تقدم في المحادثات غير المباشرة مع الولايات المتحدة بشأن إحياء الاتفاق المؤقت الذي تم التوصل إليه في يونيو الماضي. ذلك الاتفاق كان ينص على تحديد إطار زمني لتنفيذ تفاهمات بشأن الملف النووي، على أن يكون ذلك تمهيداً لإعادة فتح المضيق أمام حركة الملاحة بشكل طبيعي. استمرار الجمود يعني بقاء حالة عدم اليقين بشأن تدفق الإمدادات من المنطقة، التي يمر عبرها نحو 20% من النفط الخام العالمي يومياً.تحليل محللي بنك ING: أشارت مذكرة صادرة اليوم عن بنك ING إلى أن “التطورات بين واشنطن وطهران كانت محدودة للغاية خلال الأسبوعين الماضيين، مع تركيز كل طرف على مطالبه الأساسية دون تقديم تنازلات ملموسة”. وأضافت المذكرة أن “الهجوم الأخير بطائرات مسيرة على ميناء نوفوروسيسك الروسي لم يتسبب في أضرار ملموسة للبنية التحتية النفطية، مما أزال عاملاً كان يمكن أن يدعم الأسعار بشكل إضافي، وبقي الدعم الجيوسياسي مقتصراً على الملف الإيراني”.المخاطر المستقبلية: يرى مراقبون أن أي تصعيد عسكري في المنطقة، أو حتى مجرد تقارير عن حوادث لناقلات النفط، قد يدفع الأسعار للارتفاع بشكل حاد وسريع، متجاوزاً تأثيرات ضعف الطلب. هذا السيناريو يجعل من الصعب على الأسواق تثبيت اتجاه هابط مستدام في الوقت الحالي، ويخلق حالة من الترقب الدائم لأي تطورات سياسية أو أمنية.
لتكوين رؤية واضحة حول اتجاه أسعار النفط في الفترة القادمة، من الضروري النظر إلى التفاعل بين عدة عوامل متضاربة:العوامل الداعمة للأسعار (الجانب الإيجابي):استمرار الأزمة الجيوسياسية في مضيق هرمز: أي فشل في تحقيق اختراق في المحادثات سيبقي علاوة المخاطر قائمة.انخفاض مخزونات المنتجات المكررة: بينما ارتفعت مخزونات الخام، تراجعت مخزونات البنزين والمقطرات، مما قد يشير إلى طلب قوي على المنتجات النهائية.تخفيضات الإنتاج الطوعية من أوبك+: من المتوقع أن تلتزم مجموعة أوبك+ بحصص الإنتاج المتفق عليها، مما يحد من المعروض في السوق.العوامل الضاغطة على الأسعار (الجانب السلبي):ضعف الطلب الصيني: أشارت بيانات الواردات الصينية الأخيرة إلى تراجع بنسبة 4.2% في مشتريات النفط الخام خلال يوليو، مما يعكس تباطؤاً في أكبر مستورد للخام في العالم.الضغوط الاقتصادية الكلية: استمرار سياسات البنوك المركزية في رفع أسعار الفائدة يهدد النمو الاقتصادي العالمي ويقلل الطلب على الطاقة.ارتفاع المخزونات الأمريكية: قد يكون الارتفاع الأخير بداية لاتجاه تصاعدي في المخزونات خلال فصل الخريف، عندما يتراجع الطلب الموسمي على البنزين.توقعات السوق للأسبوع القادم: يميل المحللون في بنوك الاستثمار الكبرى (مثل جولدمان ساكس ومورجان ستانلي) إلى أن الأسعار ستظل ضمن نطاق تداول عرضي بين 85 دولاراً لخام برنت، مع ميل هابط طفيف نحو الحد الأدنى للنطاق في حال استمرار ضعف البيانات الاقتصادية. لكن أي مفاجأة جيوسياسية إيجابية أو سلبية قد تكسر هذا النطاق بشكل حاد.
مخطط أعمدة يوضح تطور مخزونات النفط الأمريكية خلال 2026
أكبر زيادة أسبوعية في المخزونات الأمريكية منذ يناير 2023

خاتمة وتوجهات للقارئ:في ختام هذا التحليل، يتضح أن سوق النفط يعيش مرحلة من الترقب الحذر، حيث يتأرجح بين ضغوط أساسية ناتجة عن ضعف الطلب وارتفاع المخزونات، ودعم جيوسياسي من أزمة مضيق هرمز. الترجيح الأكبر للأسابيع القادمة هو استمرار التداول ضمن نطاق 85 دولاراً لخام برنت، مع ميل هابط طفيف ما لم يطرأ تطور مفاجئ على الصعيد الجيوسياسي.ما الذي يجب مراقبته؟تطورات المفاوضات الإيرانية: أي بوادر إيجابية بشأن إعادة فتح المضيق قد تؤدي إلى تراجع حاد في الأسعار، بينما أي تصعيد قد يدفعها للصعود فوق 92 دولاراً.بيانات الطلب الصيني: ستكون أرقام الواردات والأنشطة الاقتصادية لشهر أغسطس حاسمة في تحديد اتجاه الطلب للنصف الثاني من العام.قرارات أوبك+ في اجتماعها القادم: إذا أشارت المجموعة إلى تمديد أو تعميق تخفيضات الإنتاج، فقد يوفر ذلك دعماً إضافياً للأسعار.ننصح المستثمرين والمتابعين بتحديث معلوماتهم بشكل يومي من مصادر موثوقة مثل تقارير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) ومنظمة أوبك، ومتابعة البيانات الفورية من بورصة ICE وNYMEX للحصول على صورة دقيقة عن تحركات السوق. كما يُنصح بتوخي الحذر في اتخاذ مراكز استثمارية طويلة الأجل في هذه الظروف من التقلب العالي، والتركيز على الفرص قصيرة المدى المدعومة بتحليل أساسي دقيق.

احمد محمود

أحمد محمود بلوجر وكاتب مقالات في موقع العدسة، متخصص في تغطية الشؤون المحلية والاقتصادية. يمتلك خبرة في متابعة البيانات الرسمية والأحداث الجارية، ويعمل وفق معايير مهنية تلتزم بالدقة والمصداقية. 📌 اعمل ضمن فريق التحرير في موقع العدسة الإخباري، والتزم بالسياسة التحريرية المعتمدة.
زر الذهاب إلى الأعلى