زي القضاة في مصر: تعرف على الفروق بين الوشاح الأخضر والأحمر وألوان الأزياء القضائية 2026
زي القضاة في مصر يعد رمزاً للهيبة والعدالة، ويحمل في طياته تاريخاً عريقاً وتفاصيل دقيقة تميز كل هيئة قضائية عن الأخرى. فمع كل هيئة قضائية في مصر زيها الرسمي الخاص الذي يعكس مكانتها واختصاصاتها، ويختلف في تفاصيله من حيث لون الوشاح وشكل التطريز ونوع الياقة، مما يخلق تنوعاً بصرياً يعكس غنى المنظومة القضائية المصرية.
أثارت واقعة القبض على شخص يدعى “مصطفى كمال محمد” انتحل صفة قاضٍ داخل إحدى القاعات بمحكمة شمال القاهرة، حالة واسعة من الجدل، خاصة بعدما تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي صوراً للمتهم مرتدياً روباً قضائياً ووشاحاً أحمر مدعياً عمله قاضياً بمجلس الدولة. وهذا التناقض الواضح بين الوشاح الذي ارتداه والجهة القضائية التي ادعى الانتماء إليها دفع كثيرين للتساؤل حول حقيقة الزي الرسمي للقضاة في مصر والفروق بين كل هيئة قضائية، وهو ما نستعرضه بالتفصيل في هذا التقرير الشامل.
رغم أن جميع القضاة في مصر يرتدون الروب الأسود داخل قاعات المحاكم، فإن لكل جهة قضائية تصميمًا خاصًا يميز أعضاءها، سواء من حيث لون الوشاح أو التطريز أو شكل الياقة، بما يعكس طبيعة كل هيئة قضائية واختصاصاتها المختلفة. وهذه التفاصيل الدقيقة في الزي القضائي ليست مجرد إكسسوارات شكلية، بل تحمل دلالات عميقة تعكس تاريخ كل مؤسسة قضائية ومكانتها في المنظومة العدلية المصرية.
قضاة مجلس الدولة.. وشاح أخضر لا أحمر
يرتدي قضاة مجلس الدولة روباً أسود يتوسطه وشاح أخضر، وهو اللون المميز لقضاة المجلس في جلسات محاكم القضاء الإداري والمحكمة الإدارية العليا والمحاكم التأديبية. ويعود هذا التمييز إلى القرار رقم 84 لسنة 2015 الصادر عن رئيس مجلس الدولة، والذي ألزم الأعضاء بارتداء الوشاح القضائي ذي اللون الأخضر لأعضاء المحاكم، وذي اللونين الأخضر والأبيض لمفوضى الدولة، على أن يكون مثبتاً على الكتف الأيمن النسر والنجوم حسب درجة القاضي.
ويعكس اللون الأخضر في وشاح قضاة مجلس الدولة تاريخ هذه الهيئة القضائية العريقة التي تأسست لتختص بالفصل في المنازعات الإدارية والتأديبية، مما جعل لها شخصيتها المستقلة وهويتها المميزة داخل المنظومة القضائية المصرية. وقد حرص المشرع المصري على إبراز هذه الاستقلالية من خلال تمييز زي قضاتها عن باقي الهيئات القضائية الأخرى.
ولهذا، فإن ظهور الشخص المنتحل مرتديًا وشاحًا أحمر، رغم ادعائه الانتماء إلى مجلس الدولة، كان من أول المؤشرات التي أثارت الشكوك حول حقيقة صفته. فالمتهم وقع في خطأ لافت عندما ارتدى روباً بوشاح أحمر، بينما كان يدعي الانتماء إلى مجلس الدولة، الذي يرتدي قضاته الوشاح الأخضر.

الوشاح الأحمر يميز القضاء العادي
أما قضاة القضاء العادي، التابعون لمحاكم الجنايات والجنح والمدني والأسرة والاقتصادي وغيرها، فيرتدون الروب الأسود المزود بوشاح أحمر، وهو الزي الأكثر انتشاراً داخل المحاكم المصرية. ويُعد هذا الزي هو الأكثر شيوعاً بين القضاة المصريين، حيث يرتديه قضاة الدرجة (أ) والدرجة (ب) في مختلف المحاكم المدنية والجنائية.
ويختلف تصميم الروب أيضاً باختلاف الدرجة القضائية وبعض المناسبات الرسمية، إلا أن اللون الأحمر يظل السمة الأبرز للقضاء العادي. وقد أشارت مصادر قضائية إلى أن الوشاح الأحمر كان يُستخدم قديماً أثناء النطق بالحكم، قبل أن يصبح الزي الأساسي لقضاة المحاكم العادية في العصر الحديث.
وتعود جذور ارتداء القضاة للروب الأسود إلى أكثر من 700 عام في إنجلترا، حيث أصبحت العباءة السوداء هي الزي الموحد للقضاة خلال عهد الملك إدوارد الثاني. وقد انتقل هذا التقليد إلى مصر والعديد من الدول العربية، ليصبح رمزاً عالمياً للعدالة والهيبة القضائية، مع إضافة اللمسات المحلية التي تميز كل دولة والأوشحة التي تحمل رموزها الوطنية.
لكل جهة قضائية زيها الخاص
ولا يقتصر اختلاف الزي على مجلس الدولة والقضاء العادي فقط، إذ تمتلك جهات قضائية أخرى أزياء مميزة، مثل هيئة قضايا الدولة والنيابة الإدارية، بما يسمح بالتمييز بين أعضاء كل جهة أثناء مباشرة أعمالهم. ولكل هيئة قضائية تصميمها الخاص الذي يعكس طبيعة عملها واختصاصاتها، مما يسهل على المتقاضين والمحامين التمييز بين مختلف الجهات القضائية.
وتستخدم الهيئات القضائية في مصر حالياً ثلاثة أوشحة رئيسية يتم ارتداؤها أثناء انعقاد المحاكمات وحضور الجلسات:
- الوشاح الأخضر: يرتديه قضاة الاستئناف ونوابهم، بالإضافة إلى قضاة مجلس الدولة.
- الوشاح الأحمر: من نصيب قضاة الدرجة (أ) والدرجة (ب) في القضاء العادي، ويرتديه رئيس المحكمة في الجلسات المهمة.
- الوشاح المقسوم (الأحمر والأخضر): مخصص لأعضاء النيابة العامة، لأنها تعتبر سلطة تحقيق وسلطة اتهام في آن واحد.
ويمثل هذا التنوع في ألوان الأوشحة القضائية ثراءً في التقاليد القضائية المصرية، حيث يعكس كل لون دوراً محدداً واختصاصاً مختلفاً داخل المنظومة العدلية، مما يسهم في تنظيم العمل القضائي وترسيخ مبدأ التخصص في القضاء المصري.
كيف كشف الوشاح الأحمر القاضي المزيف؟
بحسب متابعين للشأن القضائي، فإن المتهم وقع في خطأ لافت عندما ارتدى روباً بوشاح أحمر، بينما كان يدعي الانتماء إلى مجلس الدولة، الذي يرتدي قضاته الوشاح الأخضر. كما ظهر المتهم داخل محكمة شمال القاهرة، المختصة بنظر قضايا الجنايات والجنح، رغم أنه كان يضع شعار مجلس الدولة على هاتفه المحمول، مما زاد من تناقض ادعاءاته.
هذا التناقض الواضح دفع عدداً من المطلعين إلى التشكيك في صحة ادعائه منذ اللحظات الأولى، قبل أن تكشف التحريات حقيقة الواقعة ويتم ضبطه بتهمة انتحال صفة قاضٍ. وتكشف التحقيقات التي نشرتها النيابة العامة المصرية تفاصيل مثيرة للواقعة، إذ تبين أن عاطلاً عن العمل انتحل صفة مستشار داخل محكمة شمال القاهرة، بمساعدة 3 من موظفي المحكمة، بهدف خداع المواطنين والاستيلاء على أموالهم مقابل وعود كاذبة بإنهاء إجراءات أو تقديم خدمات قضائية.
واعترف المتهم الرئيسي أمام النيابة بأنه قدم مبالغ مالية للموظفين الثلاثة على سبيل الرشوة، مقابل تمكينه من دخول مبنى المحكمة وقاعات الجلسات بعد انتهاء مواعيد العمل الرسمية. وأوضح أنه استغل خلو القاعات من العاملين والمتقاضين لتصوير مقاطع فيديو يظهر فيها مرتدياً وشاحاً قضائياً صنعه خصيصاً ليحاكي الوشاح الرسمي للقضاة، في محاولة لإضفاء المصداقية على شخصيته الوهمية، وإقناع ضحاياه بقدرته على إنهاء القضايا والتدخل في الإجراءات القضائية مقابل مبالغ مالية.
القضاء المصري بين الهيبة والانتهاك
أثارت واقعة القاضي المزيف حالة واسعة من الجدل على منصات التواصل الاجتماعي، حيث انصب جانب كبير من النقاش على كيفية تمكن المتهم من دخول المحكمة والتصوير داخل قاعاتها، وما يثيره ذلك من تساؤلات بشأن إجراءات التأمين وحماية ملفات القضايا. وقد اعتبر العديد من المحامين والقانونيين أن ما جرى لا يتعلق بشخص انتحل صفة قاض فحسب، بل بانتهاك حرمة مؤسسة العدالة.
ووصف الإعلامي المصري أشرف الرفاعي الواقعة بأنها أقرب إلى مشاهد الأفلام، مشيراً إلى أن المتهم استخدم قاعات المحكمة ومنصة القضاء لتصوير مشاهد أوهم بها ضحاياه بأنه قاض يمتلك نفوذاً يمكنه من إنهاء القضايا مقابل مبالغ مالية. وتساءل العديد من الناشطين: كيف تمكّن شخص من انتحال صفة قاض والصعود إلى منصة القضاء؟ ومن سمح له بذلك؟
وأشار ناشطون إلى أن المتهم صنع لنفسه هالة من الهيبة عبر الصور ومقاطع الفيديو التي التقطها داخل المحكمة، لكن المفارقة أن تلك المواد نفسها تحولت لاحقاً إلى أدلة ساعدت المحققين في كشف حقيقته، لتنتهي القصة بانتقاله من “قاض مزيف” أمام الكاميرا إلى متهم أمام جهات التحقيق. ورأى متابعون أن القضية لا تكمن فقط في نجاح شخص بانتحال صفة مستشار، بل في استغلاله هيبة القضاء لبناء صورة زائفة أقنعت ضحاياه بقدرته على التأثير في مجريات العدالة.



